أحمد ياسوف
86
دراسات فنيه في القرآن الكريم
والفرقان ، إذ الأخير من الصفات التي تبين تفريقه بين الحق والباطل ، وهو المنهج الصحيح بدلا من الاشتغال بكثرة الأسماء من غير فائدة . ويمكن أن نقدم شاهدا على أهمية العناية بالفروق اللغوية لاكتشاف احتواء المادة الصوتية المعينة للفكرة الخاصة وسنمر بشواهد كثيرة ، مع أن القرآن الكريم كله برهان على حسن الاختيار من خلال دراسة الفرق بين الكلمة القرآنية والكلمة خارج النص القرآني ، فمن مظاهر استيفاء المفردة لطرفي الشكل والمضمون أن تقنع وتمتع ، وتعطي فكرا سويا وجمالا ناصعا ، مثل ما جاء في الآية الكريمة : تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا [ يوسف : 91 ] على لسان إخوة يوسف عليه السلام . وقد نقل جلال الدين السيوطي في الإتقان عن البارزي هبة اللّه بن عبد الرحيم ( - 738 ه ) أنه أعجب ب « آثرك » وحسنها الزائد على « فضّلك » « 1 » ، وظن البارزي أن العلة الجمالية - فيما يبدو لنا - هي المد الطويل بعد الهمزة ثم الفتح على حرف لثوي خفيف ، وصعوبة الوقوف والتشديد على الضاد ، وهو من حروف الإطباق . ويضاف أن القرآن ذكر « فضّل » في سبعة عشر موضعا ، مثل قوله تعالى : فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً [ النساء : 95 ] ، فالتفضيل كما توحي المقارنة كان نتيجة عمل ، ولم يكن له سابق تصميم أو إرادة ، إنما هو نتيجة عمل ، وإذا عدنا إلى كلمة « آثر » مثل وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا [ النازعات : 38 ] ، وقوله تعالى : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ الحشر : 9 ] ، فالعدالة السماوية تتأكد في سابق اختيار المرء للشر ، والإيثار يكون له ثواب عندما لا يكون جبرا ، فيؤثر المؤمن أخاه عن سابق اختيار .
--> ( 1 ) الإتقان : 2 / 270 .